أبي طالب المكي

125

علم القلوب

وقيل : إن العبد تحتويه ملائكة العذاب يوم القيامة ، فينادى العبد : يا رب ، فيقول اللّه تعالى : ملائكتي ، ما هذا الصوت المنكر ؟ وعزتي لا أعرف اليوم إلا من عرفني في دار الدنيا . وقال الواسطي : ليس كذاته ذات ، ولا كاسمه اسم ، من جهة المعنى ، ولا كصفته صفة من جميع الوجوه ، إلا من جهة موافقة اللفظ ، وكما لم يجز أن يظهر من مخلوق صفة قديمة ، كذلك يستحيل أن يظهر من الذات الذي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ صفة حديثة ، وإن التكرار من حدوث صفة ، جل ربنا أن يحدث له صفة أو اسم ، إذ لم يزل بجميع صفاته واحد ، ولا يزال كذلك أبدا . وقال الواسطي : إن اللّه تعالى احتجب عن خلقه بخلقه ، ثم صنعه بصنعه ، وساقهم بأمره إلى أمره ، فلا يمكن الأوهام أن تناله ، ولا العقول أن تخاله ، ولا الاتضاع أن يشتمله ، ولا الإسماع أن يستميله ، ولا الحيطة أن تجمعه ، هو الذي لا قبل له ، ولا بعد له ، ولا قرب ، ولا بعد ، ولا قامة ، ولا قدر « 1 » ، ولا مقصد [ إليه ] « 2 » ، ولا معدل [ عنه ] ، ولا غاية وراءه ، ليس له أمد ، ولا نهاية ، ولا غاية ، ولا انقضاء ، ولا ميقات ، ولا يستره حجاب ، ولا يقله مكان ، ولا يحويه هواء ، ولا يحطاته فضاء ، ولا يتضمنه خلاء ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [ الشورى : 11 ] . وقال شفيق البلخي : من لم يعرف اللّه بالقدرة ، فإنه لا يعرفه قبل ، وكيف يعرفه بالقدرة ؟ قال : يعرف أن اللّه تعالى قادر إذا كان معه شئ أن يأخذ منه فيعطيه غيره ، وإذا لم يكن شئ ، [ فإنه يقدر ] أن يعطيه « 3 » . وسئل أبو يزيد عن درجة العارف ، قال : ليس هناك درجة ، بل أعلى درجة العارف وجود معرفة ، وأدنى فائدته استخدام الملك . ويقال : خرج عيسى ويحيى ، عليهما السلام ، يمشيان ، فصدم يحيى امرأة ، فقال له عيسى ، عليه السلام : يا ابن الخالة ، لقد أتيت اليوم ذنبا ما أظن أن اللّه يغفره لك ، قال : وما هو يا ابن الخالة ؟ قال عيسى : امرأة صدمتها ، قال : واللّه ما شعرت بها ، قال له عيسى : سبحان اللّه ، بدنك معي ، فأين روحك ؟ قال : معلق بالعرش ، ولو أن قلبي

--> ( 1 ) أي مقدار . ( 2 ) أي ليس له جهة يقصده العباد فيها ، وفي الأصل : ولا مقصد عنه ، ولا معدل . ( 3 ) أي يعطى من العدم .